الاحد 2020-01-12

‎لواء دكتور/ سمير فرج يكتب عن تهديدات الامن القومى المصرى

‎وفقاً لمفاهيم الأمن القومى لمصر، حالياً، أربع اتجاهات استراتيجية؛ أولها الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي، أو ما نطلق عليه، مجازاً، "الاتجاه السيناوي"، والذي يعتبر، منذ الأزل، بوابة التهديدات لمصر، بدءاً من أولى الغزوات، عليها، في العصر الفرعوني، عندما هاجم الهكسوس مصر، ودخلوها عبر سيناء، في نهاية حكم الأسرة الرابعة عشر، والتي انتهت بطردهم على يد الملك أحمس الأول، وهي نفس البوابة استخدمت في الحروب الصليبية، وهي ذات البوابة التي عبر منها الفتح الإسلامي، وصولاً إلى العصر الحديث، عندما استخدم العدو الإسرائيلي، سيناء، ممراً، في العدوان الثلاثي، على مصر، عام 1956، ثم احتلها بعد حرب 1967. وحتى مؤخراً، عندما اتخذت التنظيمات الإرهابية المتطرفة، من سيناء مركزاً لها، وهو ما تصدت له قواتنا المسلحة، بسلاسل من العمليات العسكرية، حتى أوشكت على إتمام القضاء على هذه العناصر الإرهابية. ‎أما الاتجاه الاستراتيجي الثاني، فهو الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الغربي، ويقصد به الحدود المصرية-الليبية، والتي أشهد أن مصر لم تتعرض، أبداً، في تاريخها، لأي تهديد من هذا الاتجاه، إلا خلال الحرب العالمية الثانية، عندما تقدمت القوات الألمانية، بقيادة الجنرال الألماني "إرفين روميل"، للهجوم على مصر، مستهدفة القوات البريطانية الموجودة على أرضها، وليس مصر بنفسها. ‎بينما يعتبر الاتجاه الجنوبي، هو الاتجاه الاستراتيجي الثالث، للأمن القومي المصري، ويقصد به الحدود المصرية مع دولة السودان، حتى منابع نهر النيل، من جهة، والبحر الأحمر، من جهة أخرى، وهم ما لم يكن، يوماً، عبر التاريخ، بوابة، يتم استغلالها، لتهديد مصر، خاصة في ظل التكامل بين الدولتين، في عهد أسرة محمد علي باشا، عندما كانت حدود المملكة المصرية تمتد حتى جنوب السودان، حتى مُنحت السودان الحق في استقلالها عام 1956، بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، حتى ظهر تهديد، من هذا الاتجاه، بقيام إثيوبيا ببناء سد النهضة، مهددة، بذلك، حصة مصر من مياه نهر النيل، حيث تمثل تدفقات النيل الأزرق، القادم من الهضبة الإثيوبية، نحو 85% من احتياجات مصر من المياه. ‎أما فيما يخص البحر الأحمر، فقد كان، حتى الأمس القريب، يعتبر بحيرة عربية خالصة، ولم يكن معبراً، في أي وقت، لتهديدات من ناحيته، إلى أن استولى الحوثيون على مقاليد الحكم في اليمن، الواقعة على مضيق باب المندب، وما يمثله من بوابة جنوبية، للملاحة العالمية في البحر الأحمر، حتى قناة السويس، التي تعد البوابة الشمالية، للملاحة في البحر الأحمر، وما يتطلبه ذلك من ضرورة تأمين البوابتين، لضمان سلامة الحركة الملاحية بينهما. ونظراً لأن الحوثيون، في اليمن، ممولون من النظام الإيراني، لخدمة أغراضه في المنطقة، فقد ظهر تهديد من تلك الناحية، على سلامة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما انتبهت له الإدارة المصرية مبكراً، واستبقته بتأسيس أسطول بحري، جنوبي، يؤمن أهم مصادر الدخل القومي المصري، المتمثل في قناة السويس، ولتأمين استثماراتها الحالية في تلك المنطقة. ‎وأخيراً، وليس آخراً، يقصد بالاتجاه الاستراتيجي الرابع، للأمن القومي المصري، الاتجاه الشمالي، من ناحية البحر الأبيض المتوسط، والذي لم يشكل تهديداً لمصر، منذ غزو نابليون لمصر من البحر، ثم الاحتلال البريطاني لمصر. عدا ذلك كان البحر المتوسط بحيرة هادئة، ولم يشكل أي تهديدات، حتى إعلان مصر عن اكتشافاتها من الغاز الطبيعي، والبترول، في شرق البحر المتوسط، لتكشف الضباع، في المنطقة، عن أنيابها الطامعة. لم تخطئ الإرادة المصرية في توقعاتها، وهو ما كان الدافع الاستراتيجي وراء قرار، الرئيس عبد الفتاح السيسي، لترسيم الحدود البحرية مع قبرص، واليونان، ثم مع إسرائيل، فور تولي سيادته مقاليد حكم مصر، في 2014. وبإيداع اتفاقية ترسيم الحدود في الأمم المتحدة، وفقاً للقوانين الدولية، تسابقت الشركات الأجنبية، العاملة في مجال التنقيب، عن الغاز والبترول، للعمل في المنطقة الاقتصادية، قبالة السواحل المصرية، بعد ترسيم الحدود، معلنة، عن وجود 74 منطقة استكشاف، حتى يومنا هذا، داخل الحدود البحرية المصرية. ‎كان حقل ظُهر من أهم اكتشافات الغاز الطبيعي، باعتباره أكبر حقل غاز طبيعي، في المنطقة، ومع تلك الاكتشافات، ارتفع إنتاج مصر من المواد البترولية، إلى معدلات غير مسبوقة، وخاصة في الغاز الطبيعي، الذي بلغ إجمالي إنتاجه، حالياً، 6,8 مليار قدم مكعب، يومياً، فتوقفت مصر، بالطبع، عن استيراد الغاز الطبيعي، السائل، لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات، متحولة، بذلك، من دولة مستوردة للغاز الطبيعي، إلى دولة محققة اكتفاءً ذاتياً، بل ومصدرة للغاز الطبيعي، وسوف تنفذ خطتها الاستراتيجية، قريباً، باعتبارها مركزاً إقليمياً، للغاز الطبيعي. أثار، ذلك، كما أشرنا، أطماع بعض دول المنطقة، خاصة تركيا، التي بدأت تحرشها بقبرص، أثناء عمليات التنقيب أمام سواحلها، معرضة نفسها لعقوبات الاتحاد الأوروبي. ‎ولم تكتف بذلك، بل لهثت حتى وقعت مذكرتي تفاهم، مع حكومة فايز السراج، في ليبيا، إحداهما عسكرية، تتعلق بالتعاون الأمني بليبيا، والثانية لترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، في محاولة للاستحواذ على حدود لا تستحقها. ورغم عدم قانونية تلك الاتفاقات، لأسباب عدة، منها، على سبيل المثال، أن توقيعها يقع خارج الصلاحيات المقررة لرئيس الحكومة الليبي، وفقاً لاتفاق الصخيرات، إلا أن تلك الاتفاقات غير القانونية، وما أعقبها من تصريحات استفزازية، متمثلة في طلب حكومة الوفاق الليبية، في طرابلس، مساعدات عسكرية، مباشرة، من تركيا، وهو ما لوح البرلمان الليبي بالموافقة عليه، ليزيد من حدة التوتر في منطقة البحر المتوسط، صار الاتجاه الاستراتيجي الشمالي، لمصر، أكثر المناطق سخونة في الشرق الأوسط. وكعادتها، استبقت مصر كل ذلك، بخطوات عدة، منها تكوين قيادة الأسطول المصري الشمالي في البحر المتوسط، والذي كان قراراً عسكرياً سليماً، لتأمين ذلك الاتجاه الاستراتيجي، واستثماراتها فيه. كما قامت بإجراء مناورة بحرية، في البحر المتوسط، مؤخراً، يعي دلالتها، كل من تسول له نفسه محاولة تهديد الأمن القومي المصري، أو تهديد الاستثمارات المصرية. ‎وهنا لا يسعني سوى تأكيد إيماني بقدرة مصر، على حماية جميع الاتجاهات الاستراتيجية، لأمنها القومي، كما أود الثناء، على سلامة، ويقظة، القرارات العسكرية، برفع كفاءة القوات المسلحة المصرية، سواء بإضافة أحدث الغواصات الألمانية لأسطولها البحري، أو بتعزيز قدرات قواتها الجوية بمقاتلات الرافال الفرنسية، وحاملات المروحيات الميسترال، تلك القرارات الاستراتيجية، التي واجهت الكثير من التشكيك في صحتها، أو أولويتها، وأثبتت الأحداث الحالية استباق فكر، وتخطيط، القيادة المصرية.

تواصل معنا

  • للتواصل معنا
  • رقم المكتب: 01000556151 – 01000553938 – 01000553789 – 01000557520
    - 01115333361 - 01115333362
  • فاكس: 26906003
  • صندوق بريدى: 11341
  • البريد الإلكترونى: Elshahawypar@gmail.com

Inspatium 2016. All Rights Reserved ©